Work Text:
لا شيء خلق مثاليا. لا شيئ البتة.
السماء التي تنزل المطر تغرق الأرض. الشمس التي تحيي الزرع تحرقه. التربة التي تخدم الإنسان تدفنه. الجدار الذي يحمي الإنسان يعزله. كما يقوم الطبيب الذي يداوي الجرح بفتحه.
أود مناداة هذا التناغم في التناقض ثنائية الخير و الشر.
كل شيئ جيد به عيب و كل شيئ سيئ به جانب و لو ضئيل من الخير.
الفكرة في حد ذاتها جميلة فعلا. فكرة أن جميع الأشياء تتقاطع في نقطة العدل، بالرغم من أنها قد تكون إيجابية بشكل مبالغ فيه، بهية.
إلا أن العديد يظنون أن الفنان قد كسر تلك الفكرة.
فالفنان كائن بديع فعلا. إنه بعقله الجميل ذلك يخلق من العدم. يجد في أقبح الأمور الجمال و يجد في أجمل الأمور القبح.
يمنح السلام في الفوضى و يجد الفوضى في السلام.
و ذلك يعود إلى مشاعره الجياشة. فهذه المشاعر تستشعر أبسط الأمور في أعقد المواضيع. تجد خيطا و تصنع منه شبكة تهندس عليها منظومة الشعور و كيفية استغلاله و التوسع فيه.
و يستنتج هؤلاء انطلاقا من تلك القدرة الرائعة لخلق و إيجاد المشاعر أن الفنان كائن خير خيرا مطلقا.
كيف لكائن يمكنه أن يستخرج من منظومة معقدة جوهرها الشر قطرات من الجمال و الحب ليصنع بها بحرا من البهاء و المشاعر أن يكون شريرا؟.
كيف لكائن يمكنه أن يجد النظام و يخلقه في أكثر الأمور فوضى أن يكون شريرا؟.
طبعا ليس له أن يكون كذلك بالنسبة للمفكر الرومنتيكي. لأن المفكر الرومنتيكي في غالب الأحيان يعيش وهما من الرومنسية و المثالية يطبقه على كل شيئ مع رفض كل ما هو قبيح أو تزيينه. هو لا يتقبل أن الفنان كذلك يكون إنسانا. و أن هذا الفنان هو أكثر الكائنات عرضة للكسر.
ذلك يعود لكون هذا الفنان يرى الواقع عبر عدسة الشعور المتأجج إلى حد الاحتراق.
هو يعيش تجربة حسية مختلفة تماما عن الإنسان العادي. هو يرى الجمال عاريا، مسلوخا، معالجا ليسكب صافيا منقى في قالب فنه. إلا أن هذا الشعور المتأجج لا يقتصر فقط على الجمال. بل على القبح أيضا. فالفنان يرى القبح بصورة أكثر إرعابا و دمامة بكثير من ما هي عليه. و لذلك هو يعيش رافضا ذلك القبح رفضا قاطعا. و لأن ذلك القبح جزء لا يتجزأ من الحياة، ينتهي الأمر بالفنان إلى رفض المجتمع ككل ليبني فكره و عالمه الخاص بعيدا عن تلك العيوب التي يهابها.
الا أن الإنسان لا يمكنه بتر نفسه من المجتمع. فينتهي به الأمر إلى عيش ذلك القبح على كل حال. و عيشه من منظور أكثر حساسية من الإنسان العادي. عيشه بعذاب شديد و إرهاق مضخم و ذنب حارق. و ذلك الفنان الحساس سينكسر جراء ذلك حتما.
و عندما ينكسر، سيتسرب شر العالم إلى تلك الصدوع في روحه. و فقط بوجود ذلك الشر، سيستطيع الفنان مثل الإنسان العادي أن يتقبل ظلمة الحياة.
